محمد الغزالي
278
فقه السيرة ( الغزالي )
[ قصة الرجيع ] : وأصل قصّة الرّجيع هذه ، أن وفدا من قبائل عضل والقارة ، قدم على رسول اللّه يذكر أنّ أنباء الإسلام وصلت إليهم ، وأنهم يحتاجون إلى رجال يعلمونهم الدين ، ويقرئونهم القران ، فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم معهم رهطا من الدعاة يرأسهم عاصم بن ثابت ، فانطلق الجميع حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة قريبا من مياه هذيل شعر الدعاة بأنّ أصحابهم غدروا بهم ، واستصرخوا هذيلا عليهم . وفزع الدعاة إلى أسلحتهم يقاتلون الغادرين ومن أعانهم من قبيلة هذيل ، وماذا يجدي قتال نفر يعدّون على الأصابع لنحو مئة من الرماة وراءهم قومهم يشدّون أزرهم ؟ لذلك لم يلبث عاصم وصحبه أن قتلوا . واستسلم للأسر منهم ثلاثة نفر : خبيب ، وزيد بن الدثنة ، وعبد اللّه بن طارق ، فاسترقهم الهذليون وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها ، ومعنى بيعهم بمكة تسليمهم للقتلة المتربصين ؛ فإن أولئك النفر من الرجال الذي قاتلوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بدر وأحد ، ولأهل مكة لديهم ترات ، يودّون الاشتفاء منها ، وقد حاول عبد اللّه الإفلات من هذا المصير فقتل ، وأما ( خبيب ) و ( زيد ) فأخذهما رجال قريش ليقتلوهما ، أخذا بثأرهم القديم . فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ؛ ليقتله بأبيه ، ولما خرجوا به من الحرم ، اجتمع حوله رهط من قريش - فيهم أبو سفيان بن حرب - فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل - : أنشدك باللّه يا زيد أتحب أنّ محمدا الان عندنا مكانك تضرب عنقه ، وأنّك في أهلك ؟ فقال : واللّه ما أحبّ أنّ محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ، وإني جالس في أهلي . فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّد محمدا . ثم قتل زيد . وأما خبيب فقد اشتراه عقبة بن الحارث ، ليقتله بأبيه ، فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليصلبوه قال لهم : إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا ، قالوا : دونك فاركع . فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال : أما واللّه لولا أن تظنّوا أنّي إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصّلاة ، فكان خبيب أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل ثم رفعوه على خشبة .